أحمد ياسوف

102

دراسات فنيه في القرآن الكريم

قوية الأثر في النفس ، عميقة المعاني ، من غير أن يبين ما يطرأ على الدلالة من تغيير يكسبها الجدة ، بل اكتفى بأن يسيل بيانه على نهج الباقلاني في مديح الآيات ، وإذا كان هذا النهج ممجوجا في دراسة الأدب ، فهو في دراسة بيان القرآن أكثر سوءا ، لأنه لا يفسر وجه الإعجاز ، فلا يزيد اليقين عند المؤمن ، ولا يفتح سبيلا إلى اليقين عند غير المؤمن ، ولا يحتاج البيان القرآني إلا إلى علم وذوق ، فلا حاجة إلى ما يكره في دراسة الأدب من إسقاط ذاتي أو عبارات عامة لا تخدم النص . ومن الأفضل أن نلتمس العذر لهم ، فهم إزاء كتاب عظيم ، مادته الصوتية بشرية ، ومعانيه ورصفه إلهيان ، ولم يقفوا دائما عند الكلمات الفضفاضة الشاعرية ، فقد قدّموا المزيد من التفصيلات التي كانت منطلقا لغيرهم ، وهذا الجنوح إلى الإجمال سببه ما قاله الخطيب نفسه : « ما إن يقف المرء تجاه القرآن حتى تأخذه الروعة منه ، وتستبدّ بمشاعره هذه القوى الروحية السارية فيه ، فإذا هو شاعر يتملّى من هذا الجمال » « 1 » . ومما يؤخذ على القدامى أيضا ذلك الإجمال الذي يكتنف عباراتهم عند تفسير الأثر النفسي لجمال الآيات ، وهنا نستثني منهم الجرجاني والزمخشري على الأقل ، فنحن نقرأ في رسالة الخطابي : « قلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس ، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم ، وذلك صنيعه في القلوب ، وتأثيره في النفوس » « 2 » . وقد أدلى بهذا الرأي بعد ذكر وجوه الإعجاز البياني والغيبي ، فلم يبيّن أن مصدر هذا الأثر معايير فنية ، وإن كان الكلام من ربّ العالمين ، فهو كتاب يؤثر بانتقاء المفردات في نسق فني معجز ، وكأنما لم يتسنّ للخطابي أن يشير إلى قدرة القرآن التصويرية وإحكام الصورة ، وتجميلها

--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، د . الخطيب : 1 / 315 . ( 2 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص 64 .